الجصاص
80
أحكام القرآن
عليه غيره من بيع أو شرى ، ألا ترى أنه يقتضي جواز توكيل الأب إياه بشرى عبد للصغير أو بيع عبد له ؟ هذا هو معنى الإذن له في التجارة ، وأما تأويل من تأول قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى ) على اختبارهم في عقولهم ودينهم ، فإن اعتبار الدين في دفع المال غير واجب باتفاق الفقهاء ، لأنه لو كان رجلا فاسقا ضابطا لأموره عالما بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله لأجل فسقه ، فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك غير واجب ، وإن كان رجلا ذا دين وصلاح إلا أنه غير ضابط لماله بغبن في تصرفه كان ممنوعا من ماله عند القائلين بالحجر لقلة الضبط وضعف العقل ، فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك لا معنى له . وأما قوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا النكاح ) فإن ابن عباس ومجاهد والسدي قالوا : " هو الحلم وهو بلوغ حال النكاح من الاحتلام " . مطلب في تفسير الرشد وأما قوله تعالى : ( فإن آنستم منهم رشدا ) فإن ابن عباس قال : " فإن علمتم منهم ذلك " . وقيل : إن أصل الإيناس هو الإحساس ، حكي عن الخليل . وقال الله تعالى : ( إني آنست نارا ) [ طه : 10 ] يعني أحسستها وأبصرتها . وقد اختلف في معنى الرشد ههنا ، فقال ابن عباس والسدي : " الصلاح في العقل وحفظ المال " . وقال الحسن وقتادة : " الصلاح في العقل والدين " . وقال إبراهيم النخعي ومجاهد : " العقل " . وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( فإن آنستم منهم رشدا ) قال : " إذا أدرك بحلم وعقل ووقار " . قال أبو بكر : إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأوله عليه ، ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منكورا ولم يشرط سائر ضروب الرشد ، اقتضى ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا من الحجر عليه ، فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل البالغ ، وهو مذهب إبراهيم ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة ، وقد بينا هذه المسألة في سورة البقرة . وقوله تعالى : ( فادفعوا إليهم أموالهم ) يقتضي وجوب دفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد على ما بينا ، وهو نظير قوله تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ) ، وهذه الشريطة معتبرة فيها أيضا ، وتقديره : وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا .